جلال الدين السيوطي
48
الاقتراح في علم اصول النحو
الكتاب الأول : في السماع وأعنى به : ما ثبت في كلام من يوثق بفصاحته ، فشمل كلام اللّه تعالى ، وهو القرآن ، وكلام نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكلام العرب ، قبل بعثته ، وفي زمنه ، وبعده إلى أن فسدت الألسنة بكثرة المولدين ، نظما ونثرا ، عن مسلم أو كافر ، فهذه ثلاثة أنواع لا بد في كل منها من الثبوت . أما القرآن فكلما ورد أنه قرىء به : جاز الاحتجاج به في العربية سواء كان متواترا ، أم آحادا ، أم شاذا ، وقد أطبق الناس على الاحتجاج بالقراءات الشاذة في العربية ، إذا لم تخالف قياسا معروفا ، بل ولو خالفته يحتج بها ، في مثل ذلك الحرف بعينه ، وإن لم يجز القياس عليه ، كما يحتج بالمجمع على وروده ومخالفته القياس في ذلك الوارد بعينه ، ولا يقاس عليه نحو استحوذ ويأبى ، وما ذكرته من الاحتجاج بالقراءة الشاذة ، لا أعلم فيه خلافا بين النحاة ، وإن اختلف في الاحتجاج بها في الفقه « 1 » ، ومن ثم احتج على جواز إدخال لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء الخطاب بقراءة ( فبذلك فلتفرحوا ) « 2 » ، كما احتج على إدخالها على المبدوء بالنون بالقراءة المتواترة ( وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ ) « 3 » واحتج على صحة قول من قال إن « اللّه » أصله « لاه » بما قرىء شاذا ( وهو الذي في السماء لا ه وفي الأرض لا ه ) « 4 » .
--> ( 1 ) كان الأولى أن يقول : إذا جاز الاحتجاج بالقراءات الشاذة في الفقه جاز الاحتجاج بها في النحو ، وذلك لأن الحكم الشرعي مبنى على التثبت من صحة اللفظ . ( 2 ) الآية رقم 58 من سورة يونس . ( 3 ) الآية رقم 12 من سورة العنكبوت ، وانظر شرح الأشمونى ج 4 ص 3 والمسألة رقم 77 من الانصاف . ( 4 ) الآية رقم 84 من سورة الزخرف .